محمد بن جرير الطبري
77
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن تأتيكم الملائكة بالموت ، فتقبض أرواحكم ، أو أن يأتي ربك لفصل القضاء بيننا وبينكم في موقف القيامة ، أو أن يأتيكم طلوع الشمس من مغربها ، فتطوى صحائف الأعمال ، ولا ينفعكم إيمانكم حينئذ إن آمنتم ، حتى تعلموا حينئذ المحق منا من المبطل ، والمسئ من المحسن ، والصادق من الكاذب ، وتتبينوا عند ذلك بمن يحيق عذاب الله وأليم نكاله ، ومن الناجي منا ومنكم ومن الهالك ، إنا منتظرو ذلك ، ليجزل الله لنا ثوابه على طاعتنا إياه ، وإخلاصنا العبادة له ، وإفرادناه بالربوبية دون ما سواه ، ويفصل بيننا وبينكم بالحق ، وهو خير الفاصلين . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ اختلف القراء في قراءة قوله : فَرَّقُوا فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، أن عليا رضي الله عنه ، قرأ فرقوا : " إن الذين فارقوا دينهم " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، قال : قال حمزة الزيات ، قرأها فرقوا علي رضي الله عنه : " فارقوا دينهم " . وقال : ثنا الحسن بن علي ، عن سفيان ، عن قتادة : " فارقوا دينهم " وكأن عليا ذهب بقوله فرقوا : " فارقوا دينهم " خرجوا فارتدوا عنه من المفارقة . وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود ، كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن رافع ، عن زهير ، قال : ثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها : فَرَّقُوا دِينَهُمْ . وعلى هذه القراءة ، أعني قراءة عبد الله ، قراء المدينة والبصرة وعامة قراء الكوفيين . وكأن عبد الله تأول بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد ، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة ، ففرق ذلك اليهود والنصارى ، فتهود قوم ، وتنصر آخرون ، فجعلوه شيعا متفرقة . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القراء ، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه . وذلك أن كل ضال فلدينه مفارق ، وقد فرق الأحزاب دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فتهود بعض ، وتنصر آخرون ، وتمجس بعض ، وذلك هو التفريق بعينه ومصير أهله شيعا متفرقين غير مجتمعين ، فهم لدين الله الحق مفارقون وله مفرقون ؛ فبأي ذلك قرأ القارئ فهو للحق مصيب ، غير أني أختار القراءة بالذي عليه عظم القراء ، وذلك تشديد الراء من " فرقوا " . ثم اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ فقال بعضهم : عني بذلك اليهود والنصارى . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَكانُوا شِيَعاً قال : يهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَرَّقُوا دِينَهُمْ قال : هم اليهود والنصارى حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً من اليهود والنصارى حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ هؤلاء اليهود والنصارى . وأما قوله : فَرَّقُوا دِينَهُمْ فيقول : تركوا دينهم وكانوا شيعا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً وذلك أن